بادئ ذى بدء وقبل التعرض إلى تلك العناصر، يجب علينا التطرق إلى مسألة هامة وهى تشكيل اللجنة المعنية بوضع الدستور الجديد والتى وردت فى التعديلات الدستورية التى اعتمدها الشعب المصرى يوم 19 مارس 2011. ومن هذا المنطلق، نرى ضرورة عدم قصر تشكيل اللجنة على أعضاء مجلس الشعب حتى يمكن تمثيل جميع القوى الوطنية داخلها.
إن كان الدستور يعبر عن نبض أمة والمبادئ الأساسية التى تحكم حاضرها ومستقبلها، فعلى مجلس الشعب القادم تضمين اللجنة ليس فقط ممثلين من جميع القوى السياسية ولكن أيضاً أساتذة فى القانون الدستورى، قضاة، أساتذة ومتخصصين فى علم الإجتماع والإقتصاد والتجارة والعلاقات الخارجية وحقوق الإنسان والنظم السياسية وغيرها من مجالات الحياة التى يجب أن تبلور رؤية مستقبلية واضحة من أجل تحقيق صالح الوطن والعمل على ذلك بتؤده ودون هوادة لتلحق مصر بركب الدول المتقدمة فى جميع المجالات.
انطلاقاً مما سبق، فنحن من مؤيدى ضرورة تحقيق أسس المواطنة وإقامة دولة مدنية تحافظ على كرامة المواطن وعلى حقوقه الأساسية، ولتحقيق ذلك نرى ضرورة تعزيز وتفصيل الجزء الخاص بحقوق المواطنة السياسية والإقتصادية فى الدستور الجديد مع التأكيد على ضرورة وضع ضمانات للحفاظ عليها وعدم الإفتئات عليها من قبل أى من القوانين الأخرى على غرار قانون الطوارئ، ليقتصر تطبيقه فعلياً على حالات الطوارئ دون غيرها. مع ضرورة النظر فى مرحلة لاحقة بوضع قانون إرهاب يتعامل مع هذه الجريمة لعدم العودة إلى قانون الطوارئ فى التطبيق العملى.
هذا، ومع الدعم الكامل لضرورة وضع حد واضح لسلطات رئيس الجمهورية وسائر أعضاء السلطة التنفيذية ووضع ضوابط لممارسة هذه السلطات بالشكل الذى يحد من إساءة استخدامها، نرى أهمية تقليص الحصانات المطلقة التى يتمتع بها العديد من العاملين فى المجال السياسى وتكريس مبدأ أن الجميع متساوون أمام القانون، لإنهاء ثقافة "أنت مش عارف أنا مين"، بالإضافة إلى ذلك يجب تكريس مبدأ المحاسبية، فكل حق يوازنه إلتزام والإخلال بهذا الإلتزام يتبعه بالضرورة محاسبة، فلا يصح أن نطلق السلطات فى الدستور سواء للسلطة التنفيذية أو التشريعية دون التأكيد على مبدأ المحاسبية وسبل تنفيذ ذلك.
بالإضافة إلى ذلك، يجب رسم شكل واضح لسبل محاسبة رئيس الجمهورية سواء عن طريق محكمة خاصة، أو بتشكيل هيئة من كبار قضاة مصر للتحقيق فى الجرائم التى قد تنسب إليه، وعدم ترك هذه المسألة غامضة على غرار دستور 1971 الذى نص على الفكرة دون تفاصيل أدت فى النهاية إلى خلق فرعون تلو الآخر. مع ضرورة تحديد مدة الرئاسة فى مادة تحصن من التعديل، فلا يجوز لا لمجلس الشعب أو لرئيس الجمهورية أو أى آلية تتفق عليها الأمة لتعديل الدستور أن تتضمن التعديلات فى مرحلة ما مادة تحديد مدة الرئاسة تفادياً لأية مجازفة فى هذا الصدد.
وهنا لا يفوتنا ذكر ضرورة تكريس مفهوم العدالة الإجتماعية وأحقية المواطنين فى الإستفادة من ثروات البلاد عن طريق إدارتها بالشكل الذى يحافظ على تلك الثروات، هذا لا يعنى المساس بحرية السوق أو حركة رأس المال ولكن يجب أن نكرس فكرة المصلحة العامة أولاُ وتوجيه الإستثمارات فيما يعود بالنفع على جموع المواطنين وعلى المستثمر على حد سواء.
أما عن الصحافة والإعلام، فإن إطلاق العنان لحرية التعبير والبحث العلمى وعدم النص بأن الصحافة سلطة فى الدستور سبيل هام لتكريس مفهوم الديمقراطية، وإبراز الثقافة المصرية بصورتها الحقيقية وإعلاء الأعمال الإبداعية التى نتطلع إليها.
وفيما يتعلق بالتوقيع والتصديق على الإتفاقيات الدولية، يجب أن يشتمل الدستور ليس فقط الرجوع لمجلس الشعب قبل قبول السلطة التنفيذية بإلزام البلاد قانوناً بتلك الإتفاقيات ولكن يجب إعادة النظر فى مفهوم أعمال السيادة التى لا تخضع للرقابة القضائية أو التشريعية، فمن غير المقبول أن تلتزم الدولة ويتحمل المواطنون أعباء تنفيذ اتفاقات دولية دون أى رقابة أو مراجعة من قبل ممثلى الشعب والسلطة القضائية.
وانطلاقاً مما سبق، يجب علينا العودة إلى مفهوم استقلال القضاء الحقيقى والحد من دور رئيس الجمهورية فى تعيين رؤساء الهيئات القضائية، فإما يترك ذلك لمجلس القضاء الأعلى أو فى حال اتخاذ الرئيس للقرار فيجب التصديق عليه من قبل البرلمان، خاصة وأن السبيلين متعارف عليهما فى النظم الديمقراطية.
إن تكريس مفهوم الديمقراطية يتطلب منا النص فى الدستور على سبل تعزيز الحكم الرشيد وتحقيق الشفافية وإعمال سيادة القانون، فبدون تلك المبادئ سينتهى بنا المطاف إلى ديمقراطية هشة أو شكلية مما يهدر مبادئ الثورة بدلاً من إعلاء القيم التى قامت من أجلها.
Subscribe to:
Post Comments (Atom)
No comments:
Post a Comment